أحمد بن محمد القسطلاني

19

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( لا يجعل إصبعيه في أُذنيه ) المراد بالإصبع كالسابقة الأنملة ، فهو من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء ، وعبر في الأول بقوله : ويذكر بالتمريض ، وفي الثاني بالجزم ، ليفيد أن ميله إلى عدم جعل إصبعيه في أُذنيه ، فللَّه درّه من إمام أدق نظره . ( قال إبراهيم ) النخعي مما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن جرير عن منصور عنه : ( لا بأس أن يؤذن ) المؤذن وهو ( على غير وضوء ) نعم يكره للمحدث حدثًا أصغر لحديث الترمذي مرفوعًا لا يؤذن إلاّ متوضئ وفي إسناده ضعف . وقال الشافعي في الأم : ويكره الأذان بغير وضوء ويجزئ إن فعل انتهى . وللجنب أشدّ كراهة لغلظ الجنابة ، والإقامة أغلظ من الأذان في الحديث والجنابة لقربها من الصلاة . ( وقال عطاء ) هو ابن أبي رباح مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه ( الوضوء ) وللأذان ( حق ) ثابت في الشرع ( وسُنّة ) مسنونة هو من الصلاة هو فاتحة الصلاة . ( وقالت عائشة ) أم المؤمنين رضي الله عنها مما وصله مسلم ويؤيد قول النخعي : ( كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكر الله على كل أحيانه ) سواء كان على وضوء أو لم يكن لأن الأذان ذكر فلا يشترط له الوضوء ولا استقبال القبلة كما لا يشترط لسائر الأذكار . وحينئذٍ ، فلا يلحق الأذان بالصلاة لمخالفتها حكمه فيهما ، ومن ثم عرفت مناسبة ذكره لهذه الآثار عقب هذه الترجمة ، وأدنى المناسبة كافٍ ولاختلاف العلماء فيها ذكرها بلفظ الاستفهام ولم يجزم . 634 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى بِلاَلاً يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا بِالأَذَانِ . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن يوسف ) الفريابي ( قال : حدّثنا سفيان ) الثوري ( عن عون بن أبي جحيفة ) بضم الجيم ( عن أبيه ) أبي جحيفة وهب بن عبد الله ( أنه رأى بلالاً ) المؤذن ( يؤذن ) ، قال أبو جحيفة : ( فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا بالأذان ) أي فيه . ولمسلم : فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينًا وشمالاً ، يقول : حي على الصلاة حيّ على الفلاح ، ففيه تقييد الالتفات في الأذان ، وأن محله عند الحيعلتين ، أي من غير تحويل صدره عن القبلة ، وقدميه عن مكانهما ، وأن يكون الالتفات يمنًا في الأولى وشمالاً في الثانية ، وفائدته تعميم الناس بالإسماع . قال في المدوّنة وأنكر مالك دورانه لغير الإسماع . 20 - باب قَوْلِ الرَّجُلِ فَاتَتْنَا الصَّلاَةُ وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ : فَاتَتْنَا الصَّلاَةُ ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ : لَمْ نُدْرِكْ . وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَحُّ . ( باب قول الرجل فاتتنا الصلاة ) أي هل يكره أو لا . ( وذكره ابن سيرين ) محمد مما وصله ابن أبي شيبة ( أن يقول ) الرجل : ( فاتتنا الصلاة ) وسقط لفظ الصلاة لغير أبي ذر ( ولكن ليقل ) وللأربعة وليقل : ( لم ندرك ) فيه نسبة عدم الإدراك إليه بخلاف فاتتنا . قال البخاري رادًّا على ابن سيرين ( وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) الطلق للفوات ( أصح ) أي صحيح بالنسبة إلى قول ابن سيرين ، فإنه غير صحيح لثبوت النص بخلافه . وأفعل قد تذكر ويراد بها التوضيح لا التصحيح ، وقول مرفوع مبتدأ خبره أصح . 635 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : " بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ . قَالَ : فَلاَ تَفْعَلُوا . إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا » . وبالسند قال ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين ( قال : حدّثنا شيبان ) بفتح الشين المعجمة وسكون المثناة التحتية بعدها موحدة ، ابن عبد الرحمن النحوي ( عن يحيى ) بن أبي كثير ( عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ) أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنهما ، ( قال : بينما ) بالميم ( نحن نصلي مع النبي ) وفي رواية مع رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ سمع جلبة رجال ) بفتح الجيم وتاليها أي أصواتهم حال حركاتهم ، وسمَّى منهم الطبراني في روايته : أبا بكرة . ولكريمة والأصيلي : جلبة رجال ( فلما صلّى ) عليه الصلاة والسلام ( قال ) : ( ما شأنكم ) بالهمزة أي ما حالكم حيث وقع منكم الجلبة ( قالوا استعجلنا إلى الصلاة . قال ) عليه الصلاة والسلام : ( فلا ) ولأبي ذر : لا ( تفعلوا ) أي لا تستعجلوا وعبر بلفظ تفعلوا مبالغة في النهي عنه ( إذا أتيتم الصلاة ) جمعة أو غيرها ( فعليكم بالسكينة ) بياء الجر واستشكل دخولها البرماوي كالزركشي وغيره لأنه يتعدّى بنفسه قال تعالى : { عليكم أنفسكم } . وأجيب بأن أسماء الأفعال وإن كان حكمها في التعدّي واللزوم حكم الأفعال التي هي بمعناها إلاّ أن الباء تزاد في مفعولها كثيرًا نحو عليك به . لضعفها في العمل فتتعدى بحرف عادته إيصال اللازم إلى المفعول ، قاله الرضي وغيره فيما نقله البدر الدماميني ، وفي